السيد محمد تقي المدرسي

246

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ . . . ( النور / 35 ) قالوا : ماذا يعني أن الله نور السماوات والأرض ؟ إنه يعني : أنه تعالى شأنه وجود السماوات والأرض ، وبالتالي فهو السماوات والأرض لكن بلا تحديد . ويبدو أن الذين استدلوا بهذه الآية الشريفة تغافلوا عن لطائف لغة العرب ، وعن أن القرآن معجزة الله الكبرى في الفصاحة والبلاغة والعلم ، وإلا فكيف لم يميزوا بين التعبيرين : الله عين السماوات والأرض و ( الله نور السماوات والأرض ) . علماً بأن التعبير الثاني صريح في أن هناك شيء اسمه الله ، وأشياء أسماؤها السماوات والأرض و . و . وأن الأول هو الذي أظهر الثاني وكان نوره . إن كل شيء في السماوات والأرض موجود بالله وقائم وظاهر به ، وكل كمال فيه إنما هو من الله ، ولكن هل هو عين الله حتى يثبت وحدة الوجود والموجود ؟ كلا . . 2 - وقال الله سبحانه : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( ق / 16 ) قالوا : كيف يكون الرب أقرب إلى البشر من حبل الوريد ، أوليس بأنه هو عين وجود البشر ؟ ونحن نقول : إن الله أقرب إلينا من حبل الوريد ، لأن وجودنا من الله ونظام كل خلية منا قائم بالله ، ولكن هل يعني ذلك أنه عين الله ، وأن وجوده هو الله بلا حصر وتحديد ؟ كلا ، فإن الآية هذه وغيرها صريحة بأن الله شيء ، وأن البشر شيء آخر ، وأن الأول أقرب إلى الثاني من حبل وريده . 3 - قال الله سبحانه : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى ( الأنفال / 17 ) قالوا : ما دام الله هو القاتل والرامي ، فإن العبد ليس إلا الله ، لأننا نعلم أن العبد هو الذي قتل ورمى ، فهو إذاً رب العبد في وحدة الموجود .